واصــل
05-12-2005, 10:54 PM
الأزد ومكانتهم في العربية
إعداد - الدكتور : أحمد بن سعيد محمد قشاش
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه العربي الأمي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد، فالأزد جرثومة العرب، بلغوا من المجد قمته، ومن الشرف ذروته، حفظ التاريخ ذكرهم ، ودون مجدهم ، فهم أصحاب الجنتين في مملكة سبأ، وهم سادة العرب وملوكها بعد نزوحهم من اليمن وتفرقهم في أرجاء الجزيرة العربية. وبعد البعثة النبوية كان لهم في الإسلام بادرة عظيمة ومنـزلة شريفة، إذ هم أول القبائل العربية إيمانًا بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقا برسالته، فآووه في أرضهم، ونصروه بأموالهم وأنفسهم. وهم في الفتوحات الإسلامية أصحاب مواقف مشرفة في رفع راية التوحيد ونشر الإسلام في أصقاع الأرض، ثم كان منهم العلماء والشعراء الذين أثروا الثقـافة العربية والإسلامية.
وعُرف الأزد بالفصاحة، فكانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، اعتُمد على لغاتهم في أخذ اللسان العربي، وظهر أثرها الواضح في ألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما أثر عنهم من أقوال وأشعار وأمثال. كما كانت لغاتهم من مصادر الاحتجاج اللغويّ والنحويّ عند علماء العربية وغيرهم.
ولما كان أمرهم كذلك، رأيت أن يكـون بحثي هذا عن (الأزد ومكانتهم في العربية)
وقد أدخلت تحت هذا العنوان كل بطون الأزد التي نزحت من موطنها الأول مأرب، وهم أزد السراة، و أزد شنوءة، وأزد غسان، وأزد عمان.
وجمعت بين هذه البطون - مع تفرقها في الأوطان المتباعدة - لأمرين:
أحدهما: أن هذه البطون- وإن تفرقت وتباعدت - احتفظت في مواطنها الجديدة بكثير من الخصائص اللغوية الواحدة ، ولم يشاركهم فيها أحد من القبائل المجاورة، أو شاركهم فيها قبائل أخرى هاجرت - أيضًا- من بيئتهم اليمنية القديمة، وهي تمثل جميعًا بيئة لغوية واحدة، هي منطقة مأرب وما حولها من بلاد اليمن.
ثانيهما: أن كتب التراث تعزو في أحيان كثيرة الظاهرة اللغوية إلى الأزد عامة، ولم يكن بوسعي معرفة أي بطون الأزد سُمِعت منها تلك الظاهرة ، فجعلت العنوان عاماً ليتنظم تحته كل ما عزي إلى الأزد عامة أو إلى أحد بطونهم.
وقد سلكت في كتابة هذا البحث منهجًا تاريخيًا وصفيًا، فرجعت في تاريخ الأزد إلى كثير من المصادر التاريخية والجغرافية ، وكتب الأنساب، والتراجم والطبقات.
أما لغاتهم فرجعت في جمعها إلى كل ما وقعت عليه يدي من كتب العربية، وكتب القراءات والتفسير والحديث الشريف، بل وكتب الفقهاء والجغـرافيين والمؤرخين، وغيرهم.
وخرجت من استقراء هذه المصـادر المتناثرة بمادة وفيرة تمثل لغـات الأزد بكافة مستوياتها (الصوتية والصرفية، والنحوية، والدلالية) وقد بلغت من الكثرة حدًا لا ينهض به بحث واحد كهذا ، بل تحتاج كل ظاهرة منها إلى بحث مستقل يوفيها ما تستحق من الدراسة الشّاملة المتأنّية، من أجل هذا أردت أن يكون هذا البحث مدخلاً لدراسة تلك اللغات، وحافزًا إليها، فاخترت من لغاتهم أمثلة كثيرة متنوعة، تنتظم جميع المستويات اللغوية المذكورة، مع محاولة الربط - ما أمكن - بين هذه اللغات وما هو امتداد لها في لهجاتهم المعاصرة.
وقد أقمت هذه الدراسة بعد المقدمة على فصلين وخاتمة وفهرسين.
فكان الفصل الأول بعنوان: (تاريخ الأزد) وفيه تحدثت عن أنسابهم، وقبائلهم، وخروجهم من مأرب وتفرقهم في البلدان، وديانتهم في الجاهلية، ثم ذكرت طرفاً من مآثرهم في الجاهلية والإسلام، وأشرت إلى أشهر من برّز من أبنائهم في الثقافة العربية والإسلامية، ثم انتهيت إلى ذكر بعض الأحاديث والآثار والأشعار التي جاءت في فضلهم والثنـاء عليهم.
أما الفصل الثاني فكان بعنوان (مكانة الأزد في العربية).
وقد ابتدأت هذا الفصل بالحديث عن فصاحة الأزد، وسقت أقوال عدد من العلماء الذين شهدوا لهم بالفصاحة المتناهية ، ابتداء من عصور الاحتجاج وانتهاء بعصـرنا الحاضر.
ثم أوردت أمثلة متنوعة تشتمل على جميع المستويات اللغوية في لغات الأزد، حاولت من خلالها إبراز أهمية هذه اللغات، ومدى شيوعها في كتب التراث العربي والإسلامي بعامة.
ثم الخاتمة، وقد تضمنت خلاصة للبحث، وأهم نتائجه.
أما الفهرسان، فكان أحدهما للمصادر والمراجع، والآخر للموضوعات.
والله أسال أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه خير مسؤول، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً.
¤ ¤ ¤
يذكر النسابون أن القبائل التي تنتسب إلى الأزد افترقت على نحو ست وعشرين قبيلة، وهي: جَفْنَة، وغسّان، والأوس والخزرج، وخُزاعة، ومازن، وبارق، وألمع، والحَجْر، والعَتيك، وراسب، وغامد، ووالِبَة، وثُمَالة، ولِهْب، وزهران، ودُهمان، والحدّان، وشَكْر، وعَكّ، ودوس، وفَهْم، والجَهاضم، والأشاقر، والقَسامل، والفَراهيد
¤ ¤ ¤
وحدد الهمداني مواطن الأزد في جبال السراة وذكر بعض القبائل المجاورة لهم، وأشار إلى شيء من مظاهر حياتهم المعيشية كالزراعة والرعي والصيد، فقال: "بطون الأزد، مما تتلو عَنْز إلى مكة منحدرًا: الحجر.. ثم قطع بين الحجر وبين بلاد شَكْر بطنان من خثعم يقال لهم ألوس والفزع فقطعتاه إلى تهامة وسعد الهماهم نزارية، ثم بلد شَكْر سروي، ثم غامد، ثم بلد النمر، ثم بلد دوس، ومن وراء ذلك بلد بجيلة... وبسراة الحجر البر والشعير والبلس والعتر واللوبياء واللوز والتفاح والخوخ والكمثرى والإجاص، والعسل في غربيها والبقر وأهل الصيد، وشرقيها من نجد أهل الغنم والإِبل" .
¤ ¤ ¤
كما برّز من أبناء الأزد شعراء فحول ، من أشهرهم في الجاهلية عبد الله بن سلمة الغامدي أحد شعراء المفضليات ، وقيس بن الخطيم ، والشنفرى الأزدي، صاحب (لامية العرب) وهي القصيدة التي فاقت بشهرتها الأدبية واللغوية سائر ما نظمه الشعراء الجاهليون ، الأمر الذي أغرى العلماء بشرحها وإعرابها، وقد زادت شروحها عن خمسة عشر شرحًا . وتجاوز الاعتناء بها علماء العرب إلى المستشرقين، فدرسوها ونقلوها إلى لغاتهم، وأهم اللغات التي نقلت إليها الإنجليزية والفرنسية واليونانية والإيطالية والروسية .
¤ ¤ ¤
وحدد الهمداني القبائل الفصيحة في عصره بقوله: "ثم الفصاحة من العَرْض في وادعة، فجَنْب، فيام، فزُبيد، فبني الحارث، فما اتصل ببلد شاكر من نجران إلى أرض يام، فأرض سنحان، فأرض نهد وبني أسامة، فعَنْز، فخثعم، فهلال، فعامر بن ربيعة، فسراة الحَجْر، فدوس، فغامد، فشَكْر، ففهم، فثقيف، فبجيلة، فبنو علي، غير أن أسافل سروات هذه القبائل ما بين سراة خولان والطائف دون أعاليها في الفصاحة .
¤ ¤ ¤
وكتب فيصل الغوري: "بأن لا وجود للغة القرآن التي على أساسها ومنهجها وضعت قواعد اللغة العربية في أية قبيلة من قبائل العرب. وما بوسعنا إلا أن نقول بأن لغات بعض القبائل العربية قريبة بدرجة كبيرة من اللغة العربية القديمة، وعلى هذا السبيل فإن قبائل بلاد غامد وزهران مثال واضح ومميز لمثل هذه القبائل .
إعداد - الدكتور : أحمد بن سعيد محمد قشاش
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه العربي الأمي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد، فالأزد جرثومة العرب، بلغوا من المجد قمته، ومن الشرف ذروته، حفظ التاريخ ذكرهم ، ودون مجدهم ، فهم أصحاب الجنتين في مملكة سبأ، وهم سادة العرب وملوكها بعد نزوحهم من اليمن وتفرقهم في أرجاء الجزيرة العربية. وبعد البعثة النبوية كان لهم في الإسلام بادرة عظيمة ومنـزلة شريفة، إذ هم أول القبائل العربية إيمانًا بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقا برسالته، فآووه في أرضهم، ونصروه بأموالهم وأنفسهم. وهم في الفتوحات الإسلامية أصحاب مواقف مشرفة في رفع راية التوحيد ونشر الإسلام في أصقاع الأرض، ثم كان منهم العلماء والشعراء الذين أثروا الثقـافة العربية والإسلامية.
وعُرف الأزد بالفصاحة، فكانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، اعتُمد على لغاتهم في أخذ اللسان العربي، وظهر أثرها الواضح في ألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما أثر عنهم من أقوال وأشعار وأمثال. كما كانت لغاتهم من مصادر الاحتجاج اللغويّ والنحويّ عند علماء العربية وغيرهم.
ولما كان أمرهم كذلك، رأيت أن يكـون بحثي هذا عن (الأزد ومكانتهم في العربية)
وقد أدخلت تحت هذا العنوان كل بطون الأزد التي نزحت من موطنها الأول مأرب، وهم أزد السراة، و أزد شنوءة، وأزد غسان، وأزد عمان.
وجمعت بين هذه البطون - مع تفرقها في الأوطان المتباعدة - لأمرين:
أحدهما: أن هذه البطون- وإن تفرقت وتباعدت - احتفظت في مواطنها الجديدة بكثير من الخصائص اللغوية الواحدة ، ولم يشاركهم فيها أحد من القبائل المجاورة، أو شاركهم فيها قبائل أخرى هاجرت - أيضًا- من بيئتهم اليمنية القديمة، وهي تمثل جميعًا بيئة لغوية واحدة، هي منطقة مأرب وما حولها من بلاد اليمن.
ثانيهما: أن كتب التراث تعزو في أحيان كثيرة الظاهرة اللغوية إلى الأزد عامة، ولم يكن بوسعي معرفة أي بطون الأزد سُمِعت منها تلك الظاهرة ، فجعلت العنوان عاماً ليتنظم تحته كل ما عزي إلى الأزد عامة أو إلى أحد بطونهم.
وقد سلكت في كتابة هذا البحث منهجًا تاريخيًا وصفيًا، فرجعت في تاريخ الأزد إلى كثير من المصادر التاريخية والجغرافية ، وكتب الأنساب، والتراجم والطبقات.
أما لغاتهم فرجعت في جمعها إلى كل ما وقعت عليه يدي من كتب العربية، وكتب القراءات والتفسير والحديث الشريف، بل وكتب الفقهاء والجغـرافيين والمؤرخين، وغيرهم.
وخرجت من استقراء هذه المصـادر المتناثرة بمادة وفيرة تمثل لغـات الأزد بكافة مستوياتها (الصوتية والصرفية، والنحوية، والدلالية) وقد بلغت من الكثرة حدًا لا ينهض به بحث واحد كهذا ، بل تحتاج كل ظاهرة منها إلى بحث مستقل يوفيها ما تستحق من الدراسة الشّاملة المتأنّية، من أجل هذا أردت أن يكون هذا البحث مدخلاً لدراسة تلك اللغات، وحافزًا إليها، فاخترت من لغاتهم أمثلة كثيرة متنوعة، تنتظم جميع المستويات اللغوية المذكورة، مع محاولة الربط - ما أمكن - بين هذه اللغات وما هو امتداد لها في لهجاتهم المعاصرة.
وقد أقمت هذه الدراسة بعد المقدمة على فصلين وخاتمة وفهرسين.
فكان الفصل الأول بعنوان: (تاريخ الأزد) وفيه تحدثت عن أنسابهم، وقبائلهم، وخروجهم من مأرب وتفرقهم في البلدان، وديانتهم في الجاهلية، ثم ذكرت طرفاً من مآثرهم في الجاهلية والإسلام، وأشرت إلى أشهر من برّز من أبنائهم في الثقافة العربية والإسلامية، ثم انتهيت إلى ذكر بعض الأحاديث والآثار والأشعار التي جاءت في فضلهم والثنـاء عليهم.
أما الفصل الثاني فكان بعنوان (مكانة الأزد في العربية).
وقد ابتدأت هذا الفصل بالحديث عن فصاحة الأزد، وسقت أقوال عدد من العلماء الذين شهدوا لهم بالفصاحة المتناهية ، ابتداء من عصور الاحتجاج وانتهاء بعصـرنا الحاضر.
ثم أوردت أمثلة متنوعة تشتمل على جميع المستويات اللغوية في لغات الأزد، حاولت من خلالها إبراز أهمية هذه اللغات، ومدى شيوعها في كتب التراث العربي والإسلامي بعامة.
ثم الخاتمة، وقد تضمنت خلاصة للبحث، وأهم نتائجه.
أما الفهرسان، فكان أحدهما للمصادر والمراجع، والآخر للموضوعات.
والله أسال أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه خير مسؤول، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيراً.
¤ ¤ ¤
يذكر النسابون أن القبائل التي تنتسب إلى الأزد افترقت على نحو ست وعشرين قبيلة، وهي: جَفْنَة، وغسّان، والأوس والخزرج، وخُزاعة، ومازن، وبارق، وألمع، والحَجْر، والعَتيك، وراسب، وغامد، ووالِبَة، وثُمَالة، ولِهْب، وزهران، ودُهمان، والحدّان، وشَكْر، وعَكّ، ودوس، وفَهْم، والجَهاضم، والأشاقر، والقَسامل، والفَراهيد
¤ ¤ ¤
وحدد الهمداني مواطن الأزد في جبال السراة وذكر بعض القبائل المجاورة لهم، وأشار إلى شيء من مظاهر حياتهم المعيشية كالزراعة والرعي والصيد، فقال: "بطون الأزد، مما تتلو عَنْز إلى مكة منحدرًا: الحجر.. ثم قطع بين الحجر وبين بلاد شَكْر بطنان من خثعم يقال لهم ألوس والفزع فقطعتاه إلى تهامة وسعد الهماهم نزارية، ثم بلد شَكْر سروي، ثم غامد، ثم بلد النمر، ثم بلد دوس، ومن وراء ذلك بلد بجيلة... وبسراة الحجر البر والشعير والبلس والعتر واللوبياء واللوز والتفاح والخوخ والكمثرى والإجاص، والعسل في غربيها والبقر وأهل الصيد، وشرقيها من نجد أهل الغنم والإِبل" .
¤ ¤ ¤
كما برّز من أبناء الأزد شعراء فحول ، من أشهرهم في الجاهلية عبد الله بن سلمة الغامدي أحد شعراء المفضليات ، وقيس بن الخطيم ، والشنفرى الأزدي، صاحب (لامية العرب) وهي القصيدة التي فاقت بشهرتها الأدبية واللغوية سائر ما نظمه الشعراء الجاهليون ، الأمر الذي أغرى العلماء بشرحها وإعرابها، وقد زادت شروحها عن خمسة عشر شرحًا . وتجاوز الاعتناء بها علماء العرب إلى المستشرقين، فدرسوها ونقلوها إلى لغاتهم، وأهم اللغات التي نقلت إليها الإنجليزية والفرنسية واليونانية والإيطالية والروسية .
¤ ¤ ¤
وحدد الهمداني القبائل الفصيحة في عصره بقوله: "ثم الفصاحة من العَرْض في وادعة، فجَنْب، فيام، فزُبيد، فبني الحارث، فما اتصل ببلد شاكر من نجران إلى أرض يام، فأرض سنحان، فأرض نهد وبني أسامة، فعَنْز، فخثعم، فهلال، فعامر بن ربيعة، فسراة الحَجْر، فدوس، فغامد، فشَكْر، ففهم، فثقيف، فبجيلة، فبنو علي، غير أن أسافل سروات هذه القبائل ما بين سراة خولان والطائف دون أعاليها في الفصاحة .
¤ ¤ ¤
وكتب فيصل الغوري: "بأن لا وجود للغة القرآن التي على أساسها ومنهجها وضعت قواعد اللغة العربية في أية قبيلة من قبائل العرب. وما بوسعنا إلا أن نقول بأن لغات بعض القبائل العربية قريبة بدرجة كبيرة من اللغة العربية القديمة، وعلى هذا السبيل فإن قبائل بلاد غامد وزهران مثال واضح ومميز لمثل هذه القبائل .